
تقول الحكاية إن تاجراً ليس لديه زوجة ولا أولاد أراد أن يؤدي فريضة الحج ولديه أموال كثيرة بعضها أمواله وبعضها الأخر أموال الناس مرهونة عنده بحكم تجارته، فقال في نفسه لو دفنت هذه الأموال وسافرت إلى الحج ولا قدر الله مت أو تهت أو جرى لي شيء أو مكروه فستظل هذه الأموال مدفونة ولا يستفيد منها أحد ولا يصل من هو للناس لأصحابه ولابد أن أرهنها عند أحد الأشخاص ولكن من من الناس ؟ الحاكم .. ؟ ، التجار .. ؟ ، القاضي .. ؟
ولكن قبل أن يودعها فكر في أنه لابد أن يضعها في وعاء ويحكم إغلاقها مثل صندوق أو صفيح أو قربة من جلد حيوان وبعدها قرر أن يضع كل ما عنده من ذهب وفلوس
وصكوك في قرب من جلد الماعز ثم يخيطه ويضع عليه شمعاً حتى لا يفتحه أحد وبعد أيام إستدعى (الخراز) الإسكافي وشرح له ما يريد ، فقال له الإسكافي أنا عرفت ما تريد غداً إن شاء الله سأمر عليك في البيت وأحضر معي الجلود المطلوبة والقرب الجاهزة والعدة وسيكون كل شيء جاهزاً في أسرع وقت، وبعد أن تمت العملية حسبما يريد التاجر ووضعت الأمانات والفلوس في قرب وخيطت بطريقة فنية عبارة عن خياطة مقلوبة من الداخل ذهب إلى القاضي وقص عليه حكايته وقال له إذا وافقت سوف أحضر لك القرب ولو لا سمح الله صار لي شيء ولم أرجع ترجع الأموال إلى
أصحابها بعد إثبات ذلك وأموالي تتصدق بها عني، فقال له القاضي ستكون أموالك في الحفظ والصون أحضرها أنت ولا تخف.
فذهب التاجر وأحضر القرب وكان مجلس القاضي مكتظاً بالناس والأعيان، فقال للقاضي تفضل هذه الأموال التي حدثتك عنها، فقال القاضي هاتها حتى أراها فلما أتى بها أخذها القاضي وحملها وقال ما شاء الله كل هذه فلوس ومجوهرات فقال له التاجر أكثرها أمانات يا سعادة القاضي، فقال القاضي خذها وضعها هناك عند مكتبتي وغطها بتلك السجادة، فوضع التاجر القرب حسبما أشار القاضي وغطاها بالسجادة ثم جلس معهم في المجلس وبعد يومين سافر التاجر إلى الحج ضمن إحدى القوافل
مودعا أصحابه وأصدقاءه وداعيا لهم بالخير والصحة والعافية، وبعد شهر من سفر التاجر وفي منتصف الليل ذهب القاضي إلى مكان القرب وأخرجهم من تحت السجادة وأخذ يقلبهم يريد أن يصل إلى فتحة القربة فلم يستطع لأنها مقلوبة الخياطة على يد إسكافي ماهر، فقال القاضي يا سلام كل هذه فلوس وذهب وجواهر! ولكن كيف وضع المجوهرات والفلوس من أي ناحية
إنها صعبة المنال ولكنني سأجد لها طريقة وسأرسل في استدعاء أمهر الإسكافية ليفتحها ثم يخيطها مثلما كانتا، وفي اليوم الثاني أرسل القاضي في طلب إسكافي معروف لديه وقد أنجز له أعمالاً كثيرة من قبل…
فلما حضر الإسكافي، قال له القاضي عندي قربتين منذ مدة وضعت فيهما بعض الأوراق والمستندات والآن أريد أن أطلع عليها فهل تستطيع فتحهما ثم خياطتهما مثلما كانا؟ فنظر إليهما الإسكافي وقال لا شك أن الذي خاطهم بهذه الطريقة إسكافي جيد وقدير، فقال له القاضي وأنت ألست إسكافياً جيداً وقديراً؟
فقال له أنا أيضا جيد وقدير وأستطيع فتحهما وإغلاقهما مثلما كانتا، فقال له القاضي افتحهما إذن وغداً تعال وهات معك عدتك وإقفلهما وإياك أن تتكلم عند قريب أو بعيد، فقال الإسكافي سمعاً وطاعة يا حضرة القاضي وأخذ الإسكافي يحاول ويحاول حتى استطاع فتح القربتين ثم وضعهما على جانب من الغرفة وإنصرف، فقام القاضي وأفرغ ما تحتويه القربتان من أموال وجواهر وعقود وصكوك ووضع مكانها في اليوم الثاني قواقع بحرية وزجاج وقطعاً من الحديد والصفيح وجلس ينتظر الإسكافي وعندما وصل أخذه إلى غرفة خاصة وقال له… يتبع
الجزء الثاني: فخ القاضي وذكاء الخرّاز! وعندما وصل الإسكافي، أخذه القاضي إلى تلك الغرفة المغلقة وقال له بلهجة حازمة: “الآن، أريدك أن تعيد خياطة هذه القرب كما كانت تماماً، لا أريد لمخلوق أن يلاحظ أنها فُتحت يوماً، ولك مني مكافأة جزيلة”. بدأ الإسكافي عمله، وبينما كان يمرر إبرته بخفة، لاحظ شيئاً غريباً؛ ملمس القرب لم يعد كما كان! لم تعد ثقيلة بتلك الرزانة التي توحي بوجود ذهب، بل صار لها صوت “خخشة” غريبة كأنها مليئة بالحصى والزجاج. فهم الإسكافي بذكائه الفطري أن القاضي قد استبدل الأمانة، لكنه لزم الصمت خوفاً على حياته، وأتم عمله بدقة متناهية ثم انصرف.
مرت الشهور، وعاد التاجر من رحلته سالماً غانماً. أول ما فعله هو التوجه لمجلس القاضي لاسترداد أمانته. استقبله القاضي بابتسامة صفراء قائلاً: “الحمد لله على سلامتك يا رجل، أمانتك كما تركتها لم تمسها يد، خذها من تحت السجادة”. حمل التاجر القرب، لكن قلبه انقبض.. الوزن مختلف، والصوت الذي يصدر منها ليس رنين الذهب الذي يعرفه! سارع إلى بيته وفتح القرب، ليجد الكارثة: قواقع، حديد، وزجاج! كاد الرجل أن يفقد صوابه، فمن يجرؤ على اتهام “القاضي”؟ ومن سيصدق أن “حاميها هو حراميها”؟ جلس التاجر في بيته حزيناً، حتى تذكر (الخراز) الذي صنع له القرب في البداية.
ذهب إليه وقص عليه ما حدث، فنظر إليه الخراز وقال له: “لا تقلق، لقد عرفت أن شيئاً ما قد حدث عندما استدعاني القاضي في غيابك لأفتح له قرباً بخياطة مقلوبة! اترك الأمر لي، وسأجعل القاضي يعيد حقك أمام الجميع دون أن تضطر لقول كلمة واحدة”.
الجزء الأخير: ذكاء “الخراز” يسقط القناع عن القاضي!
طلب الخراز من التاجر أن يهدأ تماماً، وقال له: “غداً اذهب إلى مجلس القاضي في وقت يكون فيه المجلس غاصّاً بالناس، واطلب منه أمانتك مرة أخرى أمام الجميع وكأنك لم تستلمها بالأمس، وإذا أنكر أو قال إنك أخذتها، فابكِ بحرقة وقل له إن القرب التي أعطاني إياها سعادتك لم تكن هي قربي، بل كانت قرباً مليئة بالقواقع والزجاج!”. في اليوم التالي، فعل التاجر ما أمره به الخراز. وما إن سمع القاضي كلام التاجر حتى استشاط غضباً وقال بصوت عالٍ: “يا قليل الحياء! بالأمس استلمت أمانتك بيدك أمام الشهود، والآن تدعي أنها قواقع؟ أتريد أن تشوه سمعة القضاء؟”.
هنا، دخل الخراز إلى المجلس وكأنه عابر سبيل، وقال بهدوء: “يا حضرة القاضي، لماذا هذا الضجيج؟ أنا من صنع هذه القرب للتاجر، وأنا من خاطها بطريقة (الخياطة المقلوبة) التي لا يعرف سرها أحد غيري في هذه المدينة”. ارتبك القاضي قليلاً، لكنه قال: “وماذا في ذلك؟”. قال الخراز: “المسألة بسيطة، لقد استدعيتني يا حضرة القاضي في غياب التاجر، وطلبت مني فتح قربتين بنفس الخياطة، ثم طلبت مني إغلاقهما. وأنا، من باب الحيطة والحذر، وضعت علامة سرية (غرزة ناقصة) في الخياطة الثانية التي طلبتها أنت، بينما القرب الأصلية التي سلمها لك التاجر كانت كاملة الغرز!”.
نزل الكلام كالصاعقة على القاضي، ووقع في شر أعماله أمام أعيان المدينة. التفت الناس إلى القرب التي أحضرها التاجر، وفحصها الخراز أمامهم قائلاً: “انظروا.. هذه الغرزة الناقصة هي دليلي، لقد فتح القاضي هذه القرب واستبدل ما فيها!”. أمام هذا الدليل القاطع وبسبب ذكاء الخراز، لم يجد القاضي مفراً من الاعتراف بفعلته خوفاً من الفضيحة الأكبر وعقاب الحاكم. أعاد القاضي الذهب والمجوهرات والصكوك كاملة للتاجر، وتم عزله من منصبه ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه خيانة الأمانة.
خرج التاجر من المجلس وهو يشكر الله، ثم توجه إلى الخراز وأعطاه مكافأة كبيرة، وأدى أمانات الناس لأصحابها، وعلم الجميع أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالب ذكي وصديق مخلص.
العبرة: الأمانة ثقيلة، ومن خانها فضحه الله ولو بعد حين.




